التهاب الجلد التماسي

Contact Dermatitis
محتويات الصفحة

إن التهاب الجلد التماسِّي (إكزيما التماس)، عبارة عن اختراق جُسَيْمٍ غريب من العالم الخارجي للجلد، وإحداثه لالتهاب في الجلد. هنالك نوعان أساسيان من إكزيما التماس، إكزيما تماس تَهَيُّجِيَّة وإكزيما تماس تحسُّسِيَّة (التهاب الجلد التماسي الأرجي):

التهاب الجلد التماسي: يؤدي الجُسَيْم الذي يخترق الجلد إلى ضرر في ظِهارَة البشرة (Endepidermis) (السطح الخارجي من الجلد) على الأقل. يتسبب الضرر بحدوث التهاب. لا يوجد، في معظم مراحل هذه العملية، تدخل لجهاز المناعة.

التهاب الجلد التماسي التحسسي (الأرجي): في هذا النوع من الالتهاب لا يسبب الجُسَيْم الذي يخترق الجلد أي ضرر، لكنه يسبب رد فعل مناعي، ينتهي بظهور التهاب جلدي.

يأتي رد الفعل المناعي متأخرًا، حيث إنه عندما يتعرض المريض أول مرة، أو في المرات الأولى للجُسَيْم، تكون نتيجة التعرض غير مرئية للعين، فقط بعد التعرض المتكرر بوتيرة معينة، يظهر التهاب بالجلد. يتعلق عدد المرات التي يجب على المريض التعرض فيها للجُسَيْم، حتى يظهر رد فعل مناعي، بعدد من الخواص، من بينها مدى فاعلية المادة المُحَسِّسَة (الجُسَيْم الذي يؤدي لحدوث رد فعل مناعي).

إذا كانت المادة المحسسة ذات فاعلية ضعيفة، يلزم عدد أكبر من المرات التي يتعرض المريض فيها للجُسَيْم، من أجل نشوء رد فعل مناعي، أما إذا كانت المادة المحسسة ذات فاعلية قوية، فيكون عدد المرات المطلوب أقل. إن أقوى مادة مُحَسِّسَة في الطبيعة، هي مادة موجودة في نبتة تدعى السُّمَّاقُ السَّامّ (Poison ivy) والتي تنمو في الولايات المتحدة الأميركية. يوجد هناك ادعاء بأنه يكفي أن يتعرض الشخص مرتين لهذه المادة خلال 24 ساعة، حتى يظهر التهاب الجلد التماسي؛ وبالمقابل، حتى يصاب شخص بحساسية من عطر، فإنه بحاجة للتعرض المتكرر لفترة نصف سنة حتى سنتين. يظهر المرض، أحيانًا، بعد عشرات السنين من التعرض لمادة معينة؛ على سبيل المثال، قد يصاب عمال البناء بحساسية من الإسمنت، بعد التعرض للإسمنت لعشرات السنين بشكل يومي.

من المهم، التمييز بين التهاب الجلد التماسي التهيجي والتهاب الجلد التحسسي (الأرجي)، خاصة عندما يتعلق الأمر بالتهاب جلدي على خلفية نوعية العمل. إذا كان الالتهاب تهيجياً، فلا حاجة لتغيير نوعية العمل، يكفي أن يغير المريض محيط عمله، من أجل تفادي التماس مع المادة التي سببت له الالتهاب الجلدي؛ وفي المقابل، فإن التهاب الجلد التماسي التحسسي (الأرجي) يتطلب عادة تغيير المهنة. إن هذا النوع من الالتهاب، ناجم عن  كميات صغيرة ميكروسكوبية من مادة مُحَسِّسَة معينة، بالتالي ليس باستطاعة المريض تفادي التعرض لهذه المادة في مكان العمل؛ مثال على ذلك، طبيب الأسنان الذي يعاني من التهاب الجلد التماسي التحسسي (الأرجي)، عند تعرضه لمواد تخص عمله كطبيب أسنان، لن يستطيع التواجد في عيادته، وقد يكلفّه الأمر التوقف عن مزاولة عمله. إن كمية المادة المحسسة المتواجدة في هواء الغرفة، كافية لجعل التهاب الجلد يتفاقم من جديد.

يتم التمييز ما بين نوعي الالتهاب، وفقًا لأعراض المرض، الحالة الصحية ونتائج الفحوص.

اختبارات التَّماسّ (Patch tests): يتم، في اختبارات التماس، وضع مواد فوق أوعية صغيرة، ملصقة لحزمة من غراء خاص، يتم إلصاق هذه الأوعية على ظهر المريض لمدة 48 ساعة. يتم، بعد مرور هذه الفترة الزمنية، إزالة هذه الاختبارات، ويتم تقييم رد الفعل في المرة الأولى؛ بعد 96 ساعة يتم تقييم رد الفعل مرة أخرى (تقييم واحد غير كافٍ، لأننا قد نفوّت 50 % من ردود الفعل).

يظهر، في ردود الفعل الضعيفة، احمرار في المكان الذي وضعت فيه المادة المُحَسِّسَة التي أدت لظهور رد الفعل. تظهر، في ردود الفعل القوية، حويصلات. نستطيع، بهذه الطريقة، تمييز أية مواد مُحَسِّسَة يعاني المريض من الحساسية تجاهها، وبالتالي نستطيع إرشاد المريض أية مواد عليه تجنبهّا.

تكون نتائج اختبارات التماس سلبية، في التهاب الجلد التماسي التهيجي، وذلك لأنه في هذا الالتهاب لا يوجد رد فعل مناعي، وفي اختبارات التماس يتم فحص الحساسية في الجلد، التي تحدث على خلفية رد مناعي.

التهاب الجلد الضيائي الأرجي (Photocontact Dermatitis): في هذا النوع من الالتهاب، لا يكون التماس مع المادة المحسسة هو المسؤول عن نشوء التهاب الجلد التماسي. يطرأ عند التعرض للشمس تغيير على المادة المحسسة (عادة يكون التغيير في المبنى الفراغي للمادة)، وعندها يظهر رد الفعل المناعي الآجل، والذي يؤدي بدوره لحدوث التهاب في الجلد.

من المفارقات، أنه منذ سنوات الـ 90 من القرن الماضي، فالمواد المحسسة الأكثر شيوعًا، والتي تسبب التهاب الجلد التماسي من هذا النوع، هي: المرشحات الشمسية الموجودة في المظلات الشمسية. من أجل تأكيد تشخيص هذا النوع من التهاب الجلد، يجب عمل اختبارات تماس بواسطة تسليط الأشعة فوق- البنفسجية على الاختبارات.

أسباب وعوامل خطر التهاب الجلد التماسي

الأسباب الشائعة لالتهاب الجلد التماسي التحسسي (الأرجي) في كافة المجتمع :

  1. المعادن: نيكل، كوبالت وكروم البوتاسيوم. نستطيع العثور على النيكل والكوبالت في الحلي الرخيص، الأبازيم الأزرار المعدنية وما شابه؛ كروم البوتاسيوم موجود في مواد التنظيف المختلفة، وقد يتسبب في نشوء التهاب في جلد اليدين لربّات البيوت.
  2. المواد الحافظة: إن وظيفة هذه المواد، تمديد فترة استعمال العديد من المنتجات المختلفة، تجميلية وغيرها. المواد الحافظة الأكثر شيوعًا في صناعة مستحضرات التجميل هي: البرابن (paraben)، مواد تفرز الفورمالدهيد (Formalin) و مادة الكاثون – kathon CG.
  3. المواد المطاطية: علينا التفريق ما بين التهاب الجلد التماسي على خلفية التماس مع مواد مطاطية، وبين الحساسية من مادة اللاتكس (تستخدم في صناعة قفازات الأطباء الجراحين وعاملين آخرين في مجال الصحة)، حيث إن الحساسية الناجمة عن التعرض لمادة اللاتكس تحدث بواسطة آلية أخرى وتكون الأعراض مختلفة. المواد المقصودة هنا، هي مواد مطاطية مثل: قفازات مطاطية عادية، قفازات مطاطية للأصابع، مصاصات وما شابه. لا يسبب المطاط بحّد ذاته التهاب الجلد التماسي، بل المسبب للالتهاب هي المواد الموجودة داخل المطاط، والتي تعتبر هامة في عملية الإنتاج، أو منع عملية أكسدة المنتج من أجل الحفاظ على فعاليته.
  4. العطور: إن صناعة التجميل الحديثة تنتج حوالي 2000 نوع من العطور، من بينها 50 نوعًا، قد تؤدي لنشوء التهاب الجلد التماسي التحسسي (الأرجي). لا نقصد العطور فقط، بل كل مستحضر تجميل ذو رائحة، أي أنه يحتوي على عطر. تجري النساء اللواتي يعانين من حساسية من العطور اختبار تماس خاص، والذي يشمل كل أنواع العطور الأساسية والمعروفة، لكونها مسببّة لالتهاب الجلد التماسي، من أجل تحديد نوعية المستحضرات التي عليهن تجنبها.
  5. المضادات الحيوية: مراهم مضادات حيوية تحتوي على مركبات معينة مثل: نيوميتسين (Neomycin) قد تسبب التهاب الجلد التماسي.
  6. المادة الحافظة بينزوكائين (Benzocaine): تُستخدم في علاج الأسنان. يجب على الشخص الذي يعاني من الحساسية من البينزوكائين أن يبلغ طبيب الأسنان، من أجل تفادي الحساسية.
  7. أنواع مواد لاصقة تابعة لمجموعة المواد الكيميائية: Epoxy resin
  8. صبغات للشعر: تؤدي لحدوث طفح جلدي لدى الأشخاص الذين يعانون من الحساسية تجاهها، حيث تكون أكثر بروزًا في منطقة الوجه والعنق، وأقل بروزًا في منطقة جلد فروة الرأس.
  9. النباتات: المواد المحسسة التي تتواجد في النباتات، قد تؤدي لحدوث رد فعل تحسسي حاد في الجلد.
  10. مستحضرات هيبوالرجينيك (ضعيفُ التَّأْريج - Hypoallergenic) (منخفضة التسبب بالحساسية): هذه المستحضرات خالية من المواد المعروفة كمسببة لالتهاب الجلد التماسي التحسسي. مع ذلك، قد تحتوي على مواد تسبب التهاب الجلد التماسي، لكنها أقل شيوعًا. لذلك، يُمنع في البلدان الإسكندنافية التسجيل على أي مستحضر بأنه هيبوالرجينيك.

علاج التهاب الجلد التماسي

إن الجزء الأكثر أهمية في علاج التهاب الجلد التماسي هو: الوقاية والإرشاد.

يجب على الطبيب المعالج تحذير المريض من العوامل التي تسبب الالتهاب، وعليه إرشاد المريض بخصوص كيفية تجنب التماس مع هذه العوامل. ليست هذه المهمة سهلة، فأحيانًا، قد يضطر الطبيب لاتباع أسلوب المحقق عند التعامل مع المريض، وفي أحيان أخرى قد يمّر وقت طويل، قبل أن يكتشف الطبيب والمريض، المواد التي تسبب الالتهاب الجلدي لدى المريض. يختلف العلاج من مريض لآخر، فلكل مريض طريقة علاج مختلفة وفقًا لحالته.

يمكن، في حالة الالتهابات التي تكون درجتها خفيفة حتى معتدلة، الاكتفاء بدهن مراهم ستيرويدات (steroids) مضادة للالتهاب، وبتناول أقراص مضادة للهستامين. أما في الحالات الصعبة، فيجب معالجة المريض بواسطة تناول الستيرويدات عن طريق الفم (فموية).