الذهول

Stupor
محتويات الصفحة

الذهول (Stupor - الوعي المشوش) هو وضع يتصف بتراجع في مستوى اليقظة كتعبير عن المرض. يبدو المريض المصاب بهذه الحالة كأنه دب فيه النعاس، إلا أنه على النقيض من النوم الاعتيادي (الذي يعتبر حالة فسيولوجية طبيعية) فإن الذهول يعتبر حالة شاذة.

بالنسبة للمريض نفسه ينعكس الذهول بانخفاض حاد في مستوى الاستيعاب والتعبير الدماغي: إذ ينخفض حجم ودقة دماغ المريض المصاب بالذهول، على استيعاب المحفزات من العالم الخارجي من خلال حواسه. كما ينخفض حجم وسرعة ودقة النشاط الذاتي للمريض وردود فعله العقلية والحركية على المحفزات.

هذه الحالة تعرف بالبطء الحركي - النفسي. فعمليات استبدال المواد (الأيض - Metabolism) السوية في الدماغ تحدث بسرعة عالية جدًا، وتعتمد بالأساس على استمرارية تدفق الدم الذي ينقل الأكسجين ومصادر الطاقة، خاصةً السكر، إلى الدماغ، ويزيل النفايات السامة الناتجة عن النشاط الأيضي. وعندما ينخفض تدفق الدم إلى الدماغ، أو تنخفض نسبة الأكسجين أو السكر في الدم، يتسبب ذلك بانخفاض عملية تبادل المواد في الدماغ.

أزمة الطاقة في الدماغ تسبب اضطرابا في وظيفة خلايا العصب في القشرة المُخِيَّة (Pallium) وقدرتها على إرسال إشارات كهربائية. نتيجة لذلك، يدخل المريض في حالة من الذهول. ويمكن للإنخفاض الحاد في مستوى ملح الصوديوم في الدم أن يؤثر، أيضاً، على توازن السوائل في الدماغ، ويؤدي إلى حدوث استسقاء (edema) وإضطراب في عمليات الأيض في المخ وصولاً إلى هبوط حالة الوعي. يمكن لخلايا المخ أن تصمد لفترة قصيرة جدا، في حال حدوث أزمة في الطاقة. فالخلايا العصبية في الدماغ أكثر حساسية لفقدان الطاقة من الخلايا الداعمة، والخلايا العصبية في القشرة المخية أكثر حساسية من تلك الموجودة في جذع الدماغ.

الأعراض الناتجة عن أزمة الطاقة تكون قابلة للتحول إلى حد ما، وعند تجدد عملية تزويد مصادر الطاقة للدماغ يستيقظ المريض من حالة الذهول. ويمكن تحقيق ذلك عن طريق إعادة تدفق الدم (perfusion) إلى الدماغ، أو رفع مستوى الأكسجين فيه، أو عن طريق تسريب (infusion) الغلوكوز (سكر)، وفقاً لمسبب الذهول.

باستثناء مدى تحمل خلايا الدماغ للنقص في الطاقة، تصاب الدماغ بحالة تلف غير قابلة للزوال. فالخلايا العصبية تستثمر الكثير من الطاقة في سبيل تنظيم البيئة الخارجية والداخلية للخلية بشكل دقيق. على سبيل المثال، فإن مستوى الحمض الأميني - غلوتامات (Glutamate) في البيئة الخارجية للخلية يتم الحفاظ عليه بعناية بحيث يمكن للغلوتامات نقل الإشارات العصبية الحيوية، من جهة، بينما لا تصل الى مستويات التسمم من جهة أخرى.

هكذا، ايضاً، يتم الحفاظ على مستوى منخفض من الكالسيوم داخل الخلايا العصبية. كما ان الخلايا تستثمر الكثير من الطاقة لتفكيك المواد المختزلة (reductant) والجذور الحرة (free radicals) التي تظهر كنتاج مرافق لعملية تبديل المواد السوية، بينما تكون سامةً للخلايا. في حال استمرت أزمة الطاقة، تفقد خلايا الدماغ القدرة على الحفاظ على بيئة صحية.

التغيرات البيئية الحاصلة، وخاصةً تراكم الجذور الحرة، إطلاق الغلوتامات إلى خارج الخلية ودخول الكالسيوم إليها، تؤدي إلى نخر الخلية أو تقوم بتفعيل سلسلة من الإجراءت داخل الخلايا العصبية تنتهي بموتها (ما يسمى بموت الخلايا المبرمج - Programmed cell death).

يحدث تراكم السموم المنتظم، والذي يؤثر بشكل خاص، على وظيفة الدماغ، عندما يطرأ اضطراب ملحوظ على وظائف الكلى و/أو الكبد، والتي تتولى مهمة أساسية في تصفية ناتج تفكك المواد السامة الناجمة عن استبدال المواد في الجسم. تراكم حمض اليوريك ونيترات أخرى عند حصول فشل كلوي، وتراكم الأمونيا وأحماض أمينية معينة عند حصول فشل كبدي، يؤدي إلى تعطيل وظائف الدماغ إلى حد الإرتباك، وظهور حركات لا إرادية في الأطراف، والمعروفة بنفضات الرمع العضلي (myoclonic jerk)، وصولاً الى حالة الذهول.

هنالك قائمة طويلة من المواد السامة التي يتم امتصاصها في مجرى الدم فتصل إلى الدماغ وقد تؤدي إلى الذهول. وتشمل المعادن الثقيلة، المذيبات العضوية، سموم من الطبيعة والمخدرات. كما يمكن للعدوى البكتيرية أو الفيروسية أن تؤدي هي أيضاً إلى الذهول، إما عن طريق تلويث أنسجة الدماغ مباشرةً أو عن طريق إفراز السموم.

كما يمكن لجرعة مفرطة من الدواء أن تسمم الدماغ وتؤدي إلى الذهول. على سبيل المثال، الأدوية المعدة لعلاج مشاكل النوم، من عائلة البِنزوديازيبين (Benzodiazepine) والبَارْبيتُورات (Barbiturate)، تؤثر على حالة الوعي، حيث تؤدي إلى تفعيل مسارات مثبطة داخل الدماغ تؤدي إلى إفراز الناقل العصبي (transmitter) من نمط جابا (GABA). فالافراط في تفعيل هذا الجهاز يؤدي إلى إنخفاض في درجة الوعي. كما أن تناول جرعة مفرطة من الأدوية التي تقيد النظام الهستاميني (histaminergic) والكوليني (cholinergic) في الدماغ قد تؤدي إلى شعور مفرط في النعاس.

بالإضافة إلى العوامل المذكورة أعلاه، يمكن لأي ضرر بنيوي في مراكز الوعي المتواجدة في جذع الدماغ والمهاد (thalamus)، والمسارات الصاعدة منها والتي تشغل القشرة المخية، أن يسبب الذهول.