سوء الإمتصاص

Malabsorption
محتويات الصفحة

سوء الامتصاص (malapsorption)، معرّف على أنه حالة من الاضطراب في عملية هضم وامتصاص المواد الغذائية أو مركباتها في الأمعاء.

يحدث خلال هذه العملية:

  1. تغيير بنيوي وكيميائي لمكونات الغذاء في تجويف الأمعاء، على سطح الغشاء المخاطي، أو في خلايا النسيج الطلاني – الخلايا الظهارية (epithelium) – الذي يغطي الغشاء المخاطي. هذا التغيير يتيح الامتصاص.
  2. نقل المواد الغذائية من التجويف، عبر النسيج الطلاني، إلى الدورة الدموية والجهاز الليمفاوي.

من أجل فهم معنى سوء امتصاص المواد الغذائية، من المهم التعرف على مراحل عملية الهضم العينية لمواد الغذائية الأساسية.

الدهون (lipids):

تشارك في عملية تفكيك الدهون وتحليلها أملاح المرارة وإنزيمات البنكرياس (الليباز - lipase والـ "كوليباز" - Colipase).

بعد ذلك، تعود المواد الناتجة عن هذا التفكيك، وهي الأحماض الدهنية، للتوحد من جديد على شكل دهون داخل خلايا النسيج الطلائي (الخلايا الظهارية)، ومن ثم تترك الخلية وتنتقل إلى الجهاز الليمفاوي وإلى الدورة الدموية بواسطة بروتينات ناقلة.

تعتبر عملية امتصاص الدهون لدى الاطفال والبالغين عملية ناجعة جدا، حيث يتم امتصاص نحو (95%) من الدهون الذي يدخل الجسم. إلا أنّ هذه النسبة تكون أقل لدى الأطفال في الأشهر الأولى من حياتهم.

من الممكن أن يحصل سوء امتصاص للدهون بسبب إحدى المواد المشاركة في عملية الهضم والامتصاص:

 نقص في إنزيمات الليباز والكوليباز، نقص في أملاح المرارة بسبب أمراض الكبد، انسداد قنوات المرارة أو خلل في امتصاص أملاح المرارة، ضرر في الغشاء المخاطي للأمعاء أو خلل في أداء الخلايا الظهارية التي تغطي الغشاء المخاطي. أما انعدام القدرة على امتصاص المواد الدهنية بشكل تام، فهي حالة نادرة جدا، وعادة ما تكون مصاحبة بسوء امتصاص المواد الغذائية الأساسية الأخرى.

البراز الدُّهني (Steatorrhea) – يجسد حالة سوء امتصاص شديدة للبراز الدهني. في هذه الحالة، تظهر في البراز، نحو (50%) من كمية الدهون التي تدخل الجسم عن طريق الطعام، وهي تظهر في الأساس بصورة نقص في إنزيمات البنكرياس وبشكل أقل في أمراض الأمعاء.

الكربوهيدرات (النشويات) (carbohydrates)

الأميلازات (Amylases) هي إنزيمات هاضمة للنشويات، يتم افرازها بواسطة الغدد اللعابية والبنكرياس, وتساعد في عملية تفكيك وتحليل المواد السّكرية. أما التفكيك الإضافي للسكر وامتصاصه فيتم على سطح خلايا النسيج الطلاني الذي يغطي الغشاء المخاطي للأمعاء بواسطة إنزيمات موجودة على الحواف الفرشاتية (Brush border) التي تغطي الخلايا الظهارية (الطلانية) في الأمعاء. هذه الإنزيمات: سوكَّراز (sucrase)، إيزوملتوز (Isomaltose)، الجلوكوأميلاز (Glucoamylase)، واللاكتوز (lactose)، هي المسؤولة عن هضم النشويات في الغشاء المخاطي. أما عملية ولوج المواد الناتجة عن الهضم إلى داخل الخلايا الظهارية، فتحتاج لمساعدة بروتينات ناقلة. من أجل عمل هذه الناقلات، هنالك حاجة للطاقة ولوجود الاملاح، كالصوديوم. ويعتبر وجود الاملاح ضروريا في هذه الحالة نظرا لأن التغييرات الكهروكيميائية تلعب دورا هاما في عملية الامتصاص.

قد يكون سوء امتصاص النشويات  محصورا بانواع معينة من النشويات. ومن الممكن أن يظهر كخلل مولود أو كخلل مكتسب. يمكن ان يؤدي قصور البنكرياس أو نقص بإنزيماتة أو بالبروتينات الناقلة، لسوء امتصاص.

الأعراض المرضية المركزية التي تشير لسوء امتصاص النشويات: انتفاخ المعدة وإسهال يتعلق حجمه بكمية النشويات التي تم تناولها، ويكون نسيجه سائلا وحمضيا. وسيؤدي الامتناع عن تناول النشويات الى وقف الإسهال وظهور أعراض أخرى. 

البروتينات (protines):

يتم تحليل البروتينات بمساعدة إنزيمات البنكرياس -  إنزيم البيبتيداز (peptidase ) والبروتياز ( protease ).

تبدأ عملية الهضم والتحليل في المعدة وتستكملها إنزيمات بنكرياسية – التريبسين (trypsin)، الكيموتريبسين (Chymotrypsin) والإيلاستاز (Elastase ). كذلك، هنالك إنزيمات هاضمة للبروتينات خاصة بالخلايا الظهارية.

من الممكن أن يكون سوء امتصاص البروتينات ناتجا عن خلل في عمل البنكرياس أو الخلايا الظهارية. في غالبية الحالات لا يكون سوء الامتصاص محصورا بأنواع معينة من البروتينات، وإنما يكون جزء من ظاهرة سوء امتصاص للمواد الغذائية الأخرى. أما العلامة المرضية التي تشير لسوء امتصاص البروتينات فهي إسهال ذو رائحة كريهة، نقص الألبومين (albumin) في مصل الدم، والانتفاخات (الوذمة).

سوء الامتصاص، وسوء التغذية  (malabsorption and malnutrition)

يسبب سوء امتصاص المواد الغذائية تغيرات غذائية على عدة مستويات. فإصابة الأولاد الصغار والرضع ستظهر مبكرا، نوعا ما، بينما يتأخر ظهور علامات الإصابة نسبيا لدى الأولاد الكبار أو البالغين.

يتعلق التغيّر المرضي بشدّة الإصابة بسوء الامتصاص، وطبعا بالقدرة على التعويض، أي سد النقص، من خلال تناول الطعام ومكملاته.

لدى الأطفال، تكون وتيرة زيادة الوزن، وبعدها النمو، علامات واضحة على الإصابة بسوء الامتصاص. فظواهر من قبيل الميل للنزف، تخلخل العظام، فقر الدم، والاضطرابات العصبية، عادة ما تكون مصاحبة لأنواع معينة من سوء التغذية.

التوجه لاستيضاح حالات سوء الامتصاص

غالبية المرضى يتوجهون لاستيضاح حالة الإصابة بسوء امتصاص المواد الغذائية في أعقاب الإصابة بإسهال مزمن. يعتبر الأمر مزمنا إذا استمر لفترة تزيد عن 14 يوما. من الأسباب الأخرى التي قد تدفع باتجاه الاستشارة الطبية، نقص الوزن واضطرابات النمو لدى الأطفال، إضافة للضعف وفقر الدم في كل الأعمار.

تشخيص سوء الإمتصاص

يتم إخضاع المريض الذي يسود الشك بإصابته بسوء امتصاص المواد الغذائية، إلى فحص أولي يتضمن اختبارات تشير إلى نقص في العناصر الغذائية. يشمل هذا الاستيضاح الطبي: معادلة خلايا الدم، فحص العناصر البيوكيميائية في مصل الدم،  مثل مستويات البروتينات والزلال، الكوليسترول، الكالسيوم، الحديد والفيتامينات كحامض الفوليك وفيتامين (B12)، فيتامين (A)، والبروثرومبين (prothrombin ) الذي يمثل مستويات الفيتامين (K).

 في المرحلة الثانية من الإستفسار الطبي، وخلال البحث عن الحالة المرضية العينية، من الممكن إجراء فحص لأداء الكبد وتحديد تركيز الغلوبينات المناعية (immunoglobulins)، فحوص مصلية بحثا عن مضادات الغليادين (Gliadin)، ناقلات الغليتامين (Transglutaminases )، ومضادات غمد الليف العضلي (endomysium - هذه المضادات تميز الإصابة بمرض الزلاق – السيلياك)، اختبار التعرق أو الاختبار الجيني من أجل تشخيص الإصابة بالتليف الكيسي (CF)، اختبارات التنفس واختبار نفث الهيدروجين بعد إجراء إختبار تحمل الكربوهيدرات (Carbohydrate tolerance test) لتشخيص سوء امتصاص المواد السكرية، وكذلك جمع عينات من البراز من أجل قياس مستويات إفراز المواد الدهنية.

في المرحلة الثالثة، يتم إجراء فحوصات باضعة. ويمكن أخذ عينة من الغشاء المخاطي للأمعاء الدقيقة بواسطة التنظير الداخلي (endoscopy)،  وفحصها مجهرياً. كذلك، يمكن شفط  سائل التجويف المعوي من أجل فحص وجود طفيليات، أو مستويات مرتفعة من بكتيريا وإنزيمات البنكرياس. 

علاج سوء الإمتصاص

تتضمن أهداف علاج سوء الامتصاص ما يلي:

  1. تعويض المواد الغذائية التي يثبت نقصها خلال إجراء الفحوص.
  2. الاهتمام، قدر الإمكان، بعلاج المرض أو المسبب الذي يؤدي لسوء الامتصاص.

نظرا لأنه في غالبية حالات الإصابة بسوء امتصاص المواد الغذائية قد يتم اكتشاف نواقص أخرى، فإنه يجب أن يتم إجراء اختبارات واستيضاحات شاملة إن أمكن الأمر، وبناء عليه، إضافة العناصر الغذائية الناقصة من خلال عقاقير مناسبة أو أغذية مدعمة بهذه المواد.

من شان علاج مسبب المرض أن يؤدي للشفاء التام، أو على الأقل تخفيف حدة سوء الامتصاص.