كثرة الحمر الحقيقية

Polycythemia vera
محتويات الصفحة

كثرة الحمر الحقيقية (Polycythemia vera) هو مرض تكاثري نقوي (Myeloproliferative) مزمن، ناجم عن اضطراب مكتسب خبيث في مستوى الخلايا الجذعية المنتجة للدم (Haematopoiesis). يؤدي الاضطراب إلى إنتاج مفرط للكريات الحمر (خلايا شبيهة بالكريات الحمر -  Erythroid cells) في نقي العظام، وبالتالي إلى ارتفاع ملحوظ في عدد خلايا الدم الحمراء في تيار الدم، يكون مصحوبا بشكل عام بارتفاع في عدد الصفيحات والخلايا البيضاء (leucocyte) (وخصوصا الخلايا العدلة - Neutrophilic cell) وتضخم الطحال. لا يتعلق تكاثر الخلايا الحمر بمستوى الهرمون إريثروبويَتين (Erythropoietin) المسؤول عن تنظيم إنتاج خلايا الدم الحمراء، وتكون مستويات الهرمون في مصل الدم منخفضة بشكل عام. النمو التلقائي لمستعمرات الخلايا الشبيهة بالكريات الحمر في المزرعة الخلوية، دون إضافة الإريثروبويَتين - وهي ظاهرة غير موجودة في الوضع الطبيعي - بالإضافة إلى الفحص المجهري لنقي العظام، هي إجراءات ومؤشرات هامة لتشخيص كثرة الحمر الحقيقية (Polycythemia vera).

تتراوح نسبة حدوث كثرة الحمر الحقيقية في المناطق المختلفة بين 0.02  و 2.6 حالة لكل 100،000 مواطن. مرض كثرة الحمر الحقيقية هو، بشكل عام، مرض خاص بكبار السن، ومتوسط العمر عند التشخيص هو 60 عاما. كثرة الحمر الحقيقية أكثر شيوعا، بقليل، بين أوساط الرجال. وكثرة الحمر الحقيقية هو مرض نادر الحدوث قبل سن الـ 40 عاما.

أعراض كثرة الحمر الحقيقية

تتطور العلامات والأعراض النموذجية المميزة لكثرة الحمر الحقيقية بسبب فائض في خلايا الدم الحمراء والذي يزيد من حجم الدم ومن لزوجته (viscosity)، مما يؤدي بالتالي إلى إبطاء التدفق في داخل الأوعية الدموية الصغيرة (بسبب فرط اللزوجة). الأعراض الشائعة المرافقة لمرض كثرة الحمر الحقيقية هي: الضعف، التعب، آلام الرأس، الدوخة، اضطرابات الرؤية وضيق التنفس. يؤدي تضخم الكبد والطحال إلى الشعور بالضغط وبالألم الباهت في البطن. أحيانا، تكون هنالك حكّة منتشرة، خصوصا بعد حَمّام دون أية أعراض سريرية، وأحيانا يتم تشخيص كثرة الحمر الحقيقية من خلال فحص دم روتيني أو عَرَضيّ. في أحيان متباعدة، قد تتطور كثرة الحمر الحقيقية إلى فقر دم حاد. وبعض العلاجات المعيّنة تزيد من احتمال هذا التطور.

تشخيص كثرة الحمر الحقيقية

تشمل المقاييس والمؤشرات المعتمدة في تشخيص كثرة الحمر الحقيقية: ازدياد حجم كريات الدم الحمراء، تضخم الطحال، إشباع أكسجين طبيعي في الدم الشرياني وارتفاع  عدد الكريات البيضاء والصفيحات. يهدف فحص حجم كريات الدم الحمراء، الذي يتم على أساس حقن كريات دموية معلّمة بمادة مشعة، إلى تشخيص كثرة الحمر الحقيقية، مقابل كثرة الحمر النسبية (Relative polycythemia). إذا كان حجم الكريات الحمر كبيرا حقا، فعندئذ يتم تحديد نوع كثرة الدم، أولية أم ثانوية. البينات النموذجية المميزة التي تظهر في الفحص الجسدي هي: جلد يميل إلى الحمرة، وخصوصا في منطقة الوجه والرقبة، احتقان الأوردة في شبكية العين والطحال المتضخم.

حالات الخثار (تكوّن جلطة دموية في داخل وعاء دموي - Thrombosis) في الأوعية الدموية الشريانية والوريدية، وكنتيجة لذلك احتشاء حاد في القلب أو الدماغ، أو انسداد أوعية دموية مركزية أخرى، هي المضاعفات الأكثر انتشارا، والمسبب الأساسي للمراضة (الاعتلال - Morbidity) والوفيات ولدى مرضى كثرة الحمر الحقيقية. تنبع هذه المضاعفات، بشكل أساسي، من اللزوجة المرتفعة للدم ومن الاضطراب في عمل الصفيحات. بالإضافة إلى هذا، يكون المرضى أكثر عرضة للإصابة بنزف في الأغشية المخاطية في الأنف، بقرحات مِعديّة، وبحالات نزف من الجهاز الهضمي. هذا الميل (التعرض) إلى الإصابة بالنزف سببه الاحتقان (congestion) الحاصل في الأوعية الدموية واضطراب التخثر الثانوي الناجم عن اختلال أداء الصفيحات.

علاج كثرة الحمر الحقيقية

يهدف علاج كثرة الحمر الحقيقية إلى إبطاء وتيرة إنتاج الكريات الحمر وإلى تخفيض عددها. يرتكز التوجه العلاجي المتبع على المحافظة على مستوى مكداس الدم (Hematocrit – مقياس يعبر، بالنسب المئوية، عن الحجم النسبي لكريات الدم الحمراء من مجمل حجم الدم الكلي) في الحدود السليمة والطبيعية، والتقليل، بواسطة ذلك، بشكل كبير، من خطر تطور مضاعفات الخثار. يتم العلاج الأولي بواسطة الفـَصْد / بَضْع الوريد (Phlebotomy) وذلك من أجل خفض مستوى مكداس الدم بسرعة، نسبيا. تتم ملاءمة حجم الفصد (بشكل عام 300 - 500 ملم) ووتيرته (بشكل عام، كل بضعة أيام وفيما بعد كل بضعة أسابيع) لحالة المريض السريرية.

يتعلق اختيار علاج كثرة الحمر الحقيقية طويل المدى بسن المريض، بعوامل الخطر وبالأمراض الأخرى، إن كانت موجودة. المرضى دون سن الـ 50 عاما، الذين لم يصابوا بالخثار سابقا، والذين لم يطرأ لديهم ارتفاع حاد في عدد الصفيحات – يوصى بمعالجتهم بواسطة الفصد فقط. من الممكن أن تفيد إضافة الأسبرين، بالرغم من عدم إثبات نجاعة الأدوية المضادة لتخزين الصفيحات في منع الخثار لدى مرضى كثرة الحمر الحقيقية. يمكن معالجة المرضى في سن الـ 50 – 70 عاما، الذين لم يصابوا من قبل بالخثار أو بكثرة الصفيحات (Thrombocytosis) الحادة، بواسطة أدوية كابتة للإنتاج المفرط في نقي العظام، أو بواسطة الفصد. أما بالنسبة للمرضى فوق سن الـ 70 عاما، الذين كانوا قد أصيبوا بالخثار في السابق، والمرضى ذوي كثرة الصفيحات الحادة، فيوصى بالامتناع عن معالجتهم بالفصد، بل بواسطة أدوية كابتة لإنتاج الخلايا. وحتى عند الحاجة إلى عمليات فصد متتابعة وفي فترات متقاربة، لدى ظهور ارتفاع حاد بعدد الصفيحات، أو وجود حكّة لا تطاق، فإن هنالك حاجة إلى علاج كابت لإنتاج الخلايا.

الدواء الكابت لإنتاج الخلايا الأوسع انتشارا هو هيدروكسي يوريا (Hydroxyurea  أو هيدريا – Hydrea) والتي تثبط إنتاج "الدنا" (الحمض النووي الريبي المنزوع الأكسجين -  DNA) في الخلايا، وهو ذو تأثيرات جانبية قليلة وخفيفة بشكل عام، مع خطر منخفض نسبيا لتطور ابيضاض الدم الحاد. كما ان هنالك أدوية أخرى، من بينها: الفُسفور المشعّ  (Phosphorus 32 - Radioactive phosphorus) وميليران (Myleran)، وهذان الدواءان قد يزيدان من خطر تطور ابيضاض الدم الحاد، وهما ملائمان لمرضى معيّنين خطر إصابتهم بابيضاض الدم ضئيل جدا، قياسا بسهولة وفاعلية هذه العلاجات.

وتتميز كثرة الحمر الحقيقية، بشكل عام، بالتقدم البطيء. مدة الصمود والبقاء على قيد الحياة لدى المرضى ذوي الأعراض الذين لا تتم معالجتهم، قصيرة نسبيا. ولكن يمكن، بواسطة العلاج المناسب، إطالة مدة بقائهم أحياء، لفترة زمنية تبلغ، في المتوسط، نحو 15 سنة. في 5% من الحالات، ينشأ ويتطور ابيضاض دم نقوي حاد (ابيضاض الدم النقوي الحاد - Myeloid Leukemia) الذي لا يستجيب للعلاج، بشكل عام.