الوذمةٌ الدماغية

Brain Edema
محتويات الصفحة

الضغط داخل الجمجمة (ويسمى: الضغط داخل القِحْف - ICP - Intracranial pressure) الذي يتكون بفعل الأجزاء المكونة لمحتوى الجمجمة: الدماغ، الأوعية الدموية والسائل النخاعي (CSF - Cerebrospinal fluid), يعادل ضغط السائل النخاعي الذي يمكن قياسه بواسطة البَزْل القَطَنِيّ (Lumbar puncture). قيمة ضغط السائل النخاعي الطبيعية، عادة، حوالي 8 ملم زئبق، أو 110 ماء (80 - 180 ملم ماء). هذه القيمة متغيرة وترتبط بعدة عوامل، مثل وضعيّة الجسم والرأس, نشاط القلب والجهاز التنفسي, الجهد, الضغط في الأوردة ومحفزات الألم.

الجمجمة تشبه صندوقا صلبا ومغلقا. ولذلك، فإن أية زيادة في حجم أي من مكوناتها تسبب زيادة في الضغط داخل الجمجمة. الضغط العالي داخل الجمجمة (Elevated Intra - Cranial Pressure - EICP) (أو: فرط الضغط داخل القِحْف – Intracranial hypertension) هو حالة مرضية تتطلب العلاج العاجل، تنطوي على تأثيرات خطيرة، عادة.

ارتفاع الضغط ليس محكوما بعلاقة طردية مع التغيير في الحجم. فالزيادة في حجم إحدى حجرات الدماغ، حتى حدّ معين، لا تسبب ارتفاعا في الضغط, وذلك بفضل آليات التكيف والتعويض الموجودة في الدماغ وبفضل مرونة الأنسجة المختلفة. ولكن، في حالة تجاوز هذا الحد، فإن أية زيادة طفيفة في الحجم تسبب ارتفاعا حادا في الضغط داخل القِحْف (داخل الجمجمة). الضغط العالي داخل الجمجمة قد ينطوي على نتائج خطيرة، بسبب انخفاض ضَغْطُ التَّرْوِيَة (Perfusion pressure) في الدماغ، إلى درجة توقف إمداد الدم إلى خلايا الدماغ. ضغط التروية هو الفارق بين ضغط  الدم في داخل شرايين الدماغ وبين الضغط داخل الجمجمة الواقع على هذه الشرايين، وهو الذي يحدد عمليا انتقال الأوكسجين والمُسْتَـقلـَبات (المَئيضات - Metabolites) من الدم إلى خلايا الدماغ. في الدماغ السليم، هنالك آلية خاصة تقوم بتنظيم ذاتيّ (Autoregulation) لضخ الدم، تحافظ على تدفق مستمر بغض النظر عن مستوى ضغط الدم، من خلال تغيير درجة المقاومة في جدران الأوعية الدموية. هذه الآلية قد يصيبها خلل من جراء الاضطراب الناجم عن ارتفاع الضغط داخل الجمجمة، مما يجعل الدماغ أكثر حساسية للتغيرات في ضغط الدم.

في المقابل، يقلل ارتفاع الضغط من ضغط التروية، مما يخلق حالة تهدد حياة الدماغ. وثمة نتيجة أخرى خطيرة للضغط العالي داخل الجمجمة هو خطر الانفتاق (Herniation)، أي: دفع محتوى أنسجة دماغية من إحدى الحجرات في الجمجمة، حيث الضغط العالي، إلى حجرة أخرى حيث الضغط منخفض، وذلك من خلال فتحات ضيقة في أغلفة الدماغ أو قاعدة الجمجمة، سوية مع زيادة الضغط وتوليد الأضرار في مناطق حيوية من الدماغ.

الزيادة في حجم أي من المكونات الداخلية للجمجمة، نظرا لأسباب شتى، قد تسبب فرط الضغط داخل الجمجمة:

ازدياد في حجم السائل النخاعي: السائل النخاعي (Cerebrospinal fluid - CSF) هو سائل يبلغ حجمه الإجمالي نحو 150 سم مكعب، يجري في تجاويف داخل (حجرات) وحول الدماغ والنخاع الشوكي (في الصهاريج تحت العنكبوتية - Cisternae subarachnoideales)، يساعد في حماية الدماغ من الصدمات، في تنظيم النشاط الأيضي وإزالة الإفرازات. ويتم امتصاص السائل في المنطقة العليا من سطح الدماغ إلى داخل الجيوب الأنفية الواسعة، من خلال زغابات مجهرية تدعى الزُّغابات العنكبوتية (Arachnoid villi).

التوازن الدقيق بين إنتاج السائل، من جهة، وبين امتصاصه، من جهة أخرى، يحافظ على كميته الثابتة. كمية السائل قد ترتفع بشكل ملحوظ، فتسبب ضغطا مرتفعا في داخل الجمجمة، نتيجة للتشوشات التالية:

1. زيادة إنتاج السائل النخاعي (CSF)- وهي ظاهرة نادرة للغاية، لأن القدرة الطبيعية على امتصاص السائل النخاعي أكبر من القدرة على إنتاجه.

2. اضطراب في جريان السائل - ينجم عن انسداد القنوات نتيجة لعيوب خلقية, تلوث, نزيف أو زيادة في النمو أو أي نمو ضاغط في مكان آخر قريب. السائل المنتج يتراكم في الحجرات فوق مكان الانسداد، يتسبب بانتفاخها وزيادة حجمها، مما يزيد الضغط داخل الجمجمة. هذه الحالة تسمى مَوَهُ الرَّأْسِ (أو: الاستسقاء الدماغيّ) الانْسِدادِيّ (Obstructive hydrocephalus) وتتطلب, بالإضافة إلى إزالة مسبب الانسداد، علاجا لتصريف السائل (تحويلـَة - Shunt)، أي وضع أنبوب من حجرة جانبية، يمر عبر قناة تحت الجلد وحتى تجويف البطن، لتصريف السائل.

3. اضطراب امتصاص السائل سببه انسداد في الزغابات العنكبوتية (Arachnoid Villi) جراء التهاب, تلوث أو نزيف في السائل النخاعي أو جراء سبب مجهول نتيجة التقدم في العمر، يكون تكون استسقاء دماغيّ غير انسدادي.

ازدياد حجم الدم في الدماغ: الشعيرات الشريانية في الدماغ حساسة لتغير تركيز الغازات في الدم، والارتفاع في الضغط الجزئي لثاني أكسيد الكربون، أو الانخفاض الحاد في الضغط الجزئي للأكسجين بسبب مشاكل في التنفس، من شأنهما أن يؤديا إلى تمددها وزيادة كمية الدم (والضغط) في الدماغ. الارتفاع الحاد في ضغط الدم يمكن أن يتسبب في عرقلة آليات التنظيم الذاتي وفي ضغط عال في داخل الجمجمة، بالتزامن مع حدوث اعْتِلاَلٌ دِماغِيٌّ بارْتِفاعِ ضَغْطِ الدَّم (Hypertensive encephalopathy).

ازدياد حجم الدم الوريدي في الدماغ يمكن أن ينشأ بسبب انسداد مجرى التصريف من الجيوب الوريدية، نتيجة خـُثار (Thrombosis) أو جسم غريب ضاغط (ورم، كسر) أو زيادة الضغط الوريدي المركزي المنقول إلى أوردة الدماغ.

ازدياد في حجم المخ: هذه الظاهرة تشمل العوامل الأساسية لفرط الضغط داخل الجمجمة:

1. عمليات تحتل مساحة في تجويف الجمجمة: ورم، تكون جيوب، نزيف، خُراج (Abscess). يرتفع الضغط جراء ازدياد الحجم من غير مساحة إضافية في الجمجمة، بسبب عرقلة تصريف السائل النخاعي أو امتصاصه, جراء انسداد جيوب وريدية أو تكوّن وذمة دماغية.

 2. الوَذَمة الدماغية (cerebral edema): تورم أنسجة الدماغ بسبب تراكم السوائل فيها، جراء  مجموعة مختلفة من الإصابات: ضربة، انسداد, ورم, نزيف, تلوث, التهاب، نقص الأكسجين، اضطرابات أيضيّة وسامّة وغيرها.

أعراض الضغط العالي داخل الجمجمة: صداع، تقيؤ، تشوش الرؤية أو عدم وضوحها، ارتفاع ضغط الدم، انخفاض معدل ضربات القلب، تغيرات سلوكية، هبوط درجة اليقظة إلى حدّ الغيبوبة (Coma)، تغيرات في التنفس، ارتعاش. ويبيّن فحص قاع العين (Fundus) وجود وَذَمَةُ حُلَيمَةِ العَصَبِ البَصَرِيّ (Papilledema). أما عند الأطفال، فتكون اليوافيخ القِحفِيّة (Fonticuli cranii) منتفخة وقد تنفصل الدُّروزُ القِحْفِيِّة (Cranial sutures).

العلاج: يتوجب، غالبا، معالجة المسبب الأولي على وجه السرعة، وذلك باستخدام أدوية مختلفة لتقليل كمية المياه في الدماغ ولإنتاج السائل النخاعي، وطبقا للحالة: التخدير العام، التنفس الاصطناعي سوية مع خفض تركيز ثاني أكسيد الكربون في الدم بهدف تقليص الشعيرات الدموية وتقليل حجم الدم في الدماغ، وبواسطة استخدام الكورتيكوستيرويدات (مثل دِيكسامِيتازُون - Dexamethasone) لتخفيف الوذمة حول الورم. الأدوية من عائلة البَارْبيتُورات (Barbiturate) أيضا قد تقلل من حاجة الدماغ الأيضية، تسبب تقلص الأوعية الدموية وبذلك تخفّض جريان الدم في الدماغ والضغط داخل الجمجمة.

ضغط منخفض داخل الجمجمة: الضغط داخل الجمجمة قد يكون أقل من المستوى الطبيعي والعادي بسبب تسرب السائل النخاعي نتيجة لحدوث ثقب في أغلفة الدماغ ، بصورة عفوية أو نتيجة صدمة (على سبيل المثال، بعد عملية بَزْل قَطَنِيّ - Lumbar puncture). العَرَض الأبرز لهذه الحالة هو الصداع الذي يشتدّ عند الوقوف. ويتم التشخيص إذا تبين ضغط منخفض في فحص البزل القَطَنيّ، ثم يتم تأكيده بواسطة التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI) الذي يبين  يُبرِز (بالصبغ) أغلفة الدماغ بواسطة مادة الغادولينيوم (Gadolinium) المُبايِنة.

تشخيص الوذمةٌ الدماغية

بواسطة الذكائر (تاريخ المريض - Anamnesis) والفحص الطبي، التصوير المقطعي المُحَوسَب (CT) أو التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI) للجمجمة من أجل تحديد أسباب الضغط العالي داخل الجمجمة (ورم، نزيف، مَوَه رأس/ استسقاء دماغي - Hydrocephalus، وذمة دماغ، الخ). فحص البزْل القَطَنيّ يتيح استخراج عينة من السائل النخاعي وقياس الضغط، لكن هذا الفحص خطير وقد يعجّل خطر حدوث انفتاق (Herniation)، وتزايد في الحجم، داخل الجمجمة، أو وذمة دماغ.

رَصد وقياس الضغط داخل الجمجمة: يتم بواسطة إدخال جهاز استشعار من خلال ثقب يتم فتحه في الجمجمة، يقوم بقياس الضغط بشكل دائم ومستمر. يتم إدخال جهاز الاستشعار إلى الحجرة الجانبية (أكثر دقة، لكن أكثر تعقيدا)، إلى الحَيِّزُ تَحْتَ العَنْكَبوتِيَّة (Subarachnoid space) أو إلى الحَيِّزُ تَحْتَ الجافِيَة (Subdural space). المعدات الطبية الحديثة تتيح اليوم قياس الضغط داخل الجمجمة دون الحاجة إلى إدخالها إلى الجسم، وذلك باستخدام أجهزة تعمل على استشعار الصدى الذي تولده الموجات فوق الصوتية في أنسجة المخ. هذا القياس ذو أهمية لغرض الرصد والتتبع المستمرّين ولتحديد ما إذا كان المريض مُعرّضا لخطر أو ضرر دماغي بسبب ارتفاع الضغط إثر صدمة، عملية جراحية في الدماغ أو غيرها، وكذلك لاستخراج عينة من السائل النخاعي لفحصها ولتقليل الضغط. الرّصد الباضع (invasive monitoring) قد ينطوي على تعقيدات ومضاعفات, مثل التلوث, النزيف, الضرر لأنسجة الدماغ المجاورة ومضاعفات التخدير.