رفض الأعضاء المزروعة

,Transplant rejection (Graft-versus-host disease (GVHD

محتويات الصفحة

رفض الأعضاء المزروعة (Transplant rejection)، أو داءُ الطُّعْمِ حِيَالَ الثَّوِيّ (Graft - versus- host disease  - GVHD) هو أحد أكثر المضاعفات تعقيدا، التي تظهر بعد إجراء عملية زرع لعضو، خلية جذعية أو نقي العظم. فإن ما يحدث هو ردة فعل مناعية حادة جدا يهاجم بها جهاز المناعة العضو أو النسيج المزروع. في مثل هذه الحالات، يعتبر جهاز المناعة العضو المزروع جسما غريبا ويقوم بإنتاج أجسام مضادة/ أضداد (ضدّ - Antibody) تلحق الضرر بجودة العضو المزروع وباحتمالات نجاحه.

وظيفة الجهاز المناعي (Immune system) هي حماية الجسم من المواد الضارّة، مثل الجراثيم، المواد السامة، الخلايا السرطانية ومن أي جسم غريب آخر يخترق جسدنا. كل هذه المواد تحتوي على بروتينات خاصة تتواجد على سطوحها وتدعى مستضدات (مُستَضِدّ - Antigen). عندما يلاحظ الجهاز المناعي وجود المستضدات، التي هي ليست جزءا من خلايا الجسم، يقوم بإفراز كميات كبيرة من المضادات التي تهاجمها وتحفّز ردة فعل مناعية حادة.

حين يحدث رفض لأعضاء مزروعة تكون هذه المشكلة أقسى وأشدّ أضعافا.

من أجل فهم مصدر المشكلة بصورة أفضل، من المهم فهم مسار عملية الزرع وكيف تتم:

عملية الزرع هي علاج طبي حديث يتم من خلاله استبدال أعضاء أو أنسجة، بأعضاء، بأجزاء من أعضاء، أو بأنسجة، سليمة. يمكن نقل الغِرسَة (الطّعم - Implant) من عضو إلى عضو آخر في الجسم نفسه، أو من متبرع إلى شخص آخر، أو من كائن حي إلى إنسان. الاعضاء التي يتم زرعها اليوم هي: الكليتان، الكبد، البنكرياس، الأمعاء، القلب، الرئتان، النخاع العظمي (نقيّ العظم - Bone marrow)، خلايا البنكرياس، الجلد، القرنية والعظام. زراعة عضو هي عملية صعبة ومعقدة، لكنها تشكل حلا علاجيا مثاليا لمرض فقد فيه العضو المصاب قدرته على أداء وظيفته. العلاج بواسطة الزرع يحسن من جودة حياة المريض وقد يطيل عمره. المنظومات الدفاعية في جسم الإنسان، التي تحميه من العوامل الملوثة والخطيرة، تتعرّف على العضو المزروع باعتباره جسما غريبا يقوم بغزو الجسد، وخلال وقت قصير تُصدر رد فعل مناعيّ يرفض استقبال هذا الجسم المزروع. تكوين المناعة المكتسبة ضد العضو المزروع مرتبط بجهاز ملاءمة الأنسجة الذي يتألف من أكثر من 400 بروتين مختلف تتمثل، أساسا، بكريات الدم البيضاء.

العضو الملائم تماما لجهاز ملاءمة الأنسجة في الجسم المُستقبِل، كما في التوأمين المتماثلين، يتم استيعابه بنجاح. في الواقع، ونظرا لكون جهاز الملاءمة متنوعا جدا، فإن احتمالات التلاؤم بين المتبرع والمستقبِل هي قليلة جدا. عدم التلاؤم يؤدي إلى تفعيل آليات الرفض فتكون النتيجة فشل عملية الزرع.

إن الطريقة الأفضل للتغلب على رفض الأعضاء المزروعة تتمثل في المعالجة الدائمة والمتواصلة بأدوية تثبط عمل الجهاز المناعي. هذه الأدوية المضادة للرفض تمنع رفض العضو المزروع وتضمن بقاء الغِرسة، لمدة زمنية طويلة.

الرفض الأكثر حدة للأعضاء المزروعة يحدث، عادة، فور انتهاء العملية الجراحية، إذ تتواجد في جسم المستقبِل مضادات، منذ الولادة، ضد نوع دم المتبرع، أو مكتسبة ضد أنسجة العضو. بالإمكان منع الرفض الحاد جدا بواسطة إجراء عملية فحص مزدوج مسبقة بين لِمفاويّات المتبرع وبين مصل دم المرشح لعملية الزرع. الرفض الأكثر حدة للأعضاء المزروعة يحدث، غالبا، في الأشهر الأولى بعد إنتهاء عملية الزرع. ويتمثل الرفض بهبوط في أداء العضو المزروع، بظهور أعراض التهابات غير محددة، كانت تسمى في الماضي "مرض الرفض" تعبيرا عن حدة التأثيرات التي ظهرت آنذاك. وعلى المدى البعيد، تشكل عودة المرض الأولي، أو الهبوط في تدفق الدم في العضو المزروع، جراء انسداد الأوعية الدموية الصغيرة، و/أو جراء رفض مزمن، العوامل الأساسية لفشل الزرع. 

تتميّز جراحة الزرع بإجراءات يتوجب اتخاذها من أجل تقليص مدة الإقفار/ نقص التروية (نقص الأكسجين) المتراكمة، منذ لحظة فصل العضو المزروع عن تدفق الدم خلال العملية الجراحية، نقله إلى المركز الذي يتواجد فيه المريض الأكثر ملاءمة لاستقباله وحتى لحظة اتصال أوعيته الدموية بالدورة الدموية.

إن تخزين العضو وحفظه في التبريد المراقب ورشّ السوائل الخاصة للتقليل من حدوث وَذَمات في الخلايا ومن إنتاج جذور حرة (Free Radicals)، من شأنها تقليل الضرر الحاصل في العضو نتيجة عدم تدفق الدم فيه مؤقتا. وقد طرأ تحسن وتقدم كبيران في طرق وأساليب جراحات الزرع، تقصير زمن التخزين والعلاجات المثبطة للرفض. وبالرغم من أنه ليس هنالك، عادة، تلاؤم كامل في جهاز ملاءمة الأنسجة، إلا أن نسبة نجاح عمليات الزرع عامة، وزراعة الكليتين خاصة، بلغت درجات عالية جدا حتى أصبح هذا العلاج يعتبر روتينيا من الناحية الطبية.

أعراض رفض الأعضاء المزروعة

أعراض رفض الأعضاء المزروعة متنوعة جدا، وهي تتعلق بالعضو المزروع. مثلا، لدى المريض الذي تـُزرع كلية في جسده فيصدر ردة فعل مناعية ضدها، يسجل عادة هبوط حاد في إنتاج البول. وفي الغالب،  تظهر لدى المرضى الأعراض التالية:

  • قصور العضو المزروع (يتطلب هذا تشخيصا طبيا وسلسلة من فحوصات الدم الشاملة).
  • عدم الراحة وشعور عام بالمرض.
  • أوجاع أو تورمات في موقع الزرع (نادر نسبيا).
  • ارتفاع درجة حرارة الجسم، كجزء من ردة الفعل المناعية.

علاج رفض الأعضاء المزروعة

الأدوية الروتينية لمعالجة رفض الأعضاء المزروعة هي: الكورتيكوستيرويدات، معوّقات انقسام كريات الدم البيضاء، معوّقات كالسينورين (Calcineurin inhibitors - CNIs) وأضداد (مضادات) مُتَعَدِّدُة النَّسَائل (Polyclonal antibodies). فقد أثبتت هذه الأدوية نجاعتها في إنجاح عمليات الزرع، لكنها ليست حصرية في معالجة رفض الأعضاء المزروعة، كما إنها تلحق الضرر بالمناعة ضد بعض التلوّثات والأمراض الخبيثة.

المضاعفات التلوثية تنتشر، بشكل خاص، خلال السنة الأولى بعد عملية الزرع، والأكثر انتشارا من بينها يسببه الفَيروسُ المُضَخِّمُ للخَلاَيا (Cytomegalo Virus). ثمة أضداد (مضادات) أحادية النسيلة (Monoclonal antibodies) جديدة تعطى للكائنات الحية، سوية مع العلاج الروتيني، تستطيع تطوير القدرة على التحمل، أي بقاء العضو المزروع بعد الوقف الكامل لعلاج تثبيط الجهاز المناعي.

تشكيلة الأدوية المعدة لمنع الرفض تسمح بملاءمة علاج شخصي لكل مريض على حدة، والانتقال من مسار علاجي إلى آخر حين يتجاوز تثبيط الجهاز المناعي المدى المخطط له أو لدى ظهور أعراض جانبية استثنائية.