اهبة التخثر الموروثة

Inherited Thrombophilia
محتويات الصفحة

لماذا يحدث تخثر الدم أثناء الإصابة بجروح، بينما في الأوعية الدموية لا يتخثر الدم؟ هذا السؤال حير العلماء طوال  الـ 2500 سنة الأخيرة. وتم فقط، في القرن الأخير، فهم العوامل التي تُسير عملية تخثر الدم. وتم في العقود الأربعة الأخيرة، كشف الآليات التي تمنع تخثر الدم.  

يوجد توازن بسيط بين نظام تخثر الدم والنظام الذي يمنع تخثر الدم، وعندما يختل هذا التوازن، فمن المتوقع أن يحدث تجلط الدم في الأوعية الدموية (Thrombosis)، الذي يؤدي لانسداد الأوعية الدموية أو قد يحدث نزيف.

إن تجلط الدم في الشرايين، الذي يحدث على الأغلب، بسبب تصلب الشرايين وفشل نظام ردع التخثر، يؤدي إلى عدم وصول الغذاء والأوكسجين إلى خلايا الجسم، ونتيجة لذلك، قد يحدث احتشاء (نخر الأنسجة) مثل احتشاء عضلة القلب أو احتشاء الدماغ.  

يُعطل تجلط الأوردة إرجاع الدم من الخلايا إلى القلب، وخاصة في أوردة الأرجل، بسبب تدفق الدم البطيء نسبيًّا؛ كما أن جزءًا من تجلط الدم باستطاعته أن ينفصل من الوريد وأن يجري إلى الأوعية الدموية الرئوية، وقد تسبب احتشاء الرئة وهي حالة تهدد حياة المريض. إن تجلط الشرايين والأوردة في الدول المتطورة يؤدي إلى نمط حياة مَرَضي، كما أنه مسبب أول للموت، وهو شائع أكثر مرتين من معدل حالات الموت من الأورام الخبيثة.

يتم ردع تخثر الدم عن طريق عدة أنظمة، الأساسية من بينها:

1. ردع جلب الصفائح الدموية إلى جدار الأوعية الدموية وتخزينها عن طريق بروستسكلين (Prostacyclin) الذي تفرزه الخلايا المبطنة المتواجدة بجدار الأوعية الدموية.

2. ردع الإنزيم الأساسي بعملية تخثر الدم- ترومبين (Thrombin) عن طريق خلط بروتين الانتيترومبين (antithrombin) والبروتغليكان (Proteoglycan) المتواجد بجدار الأوعية الدموية

3.ردع تخثر الدم بواسطة بروتين C. يبدأ تشغيل هذا النظام الفريد باستخدام ثرومبين، الذي يحول الفيبرينوجين الذائب لشبكة فبرين، التي هي ما تؤدي لتخثر الدم. يربط بداية، الثرومبين بالتروبومودولين وهو البروتين الموجود في الخلايا البطانية؛ وهذا الرابط يؤدي لإيقاف عمل الثرومبين التخثري، بحيث تصبح وظيفة الثرومبين تشغيل بروتين C؛ وعندما يصبح هذا البروتين فعالاً، فإنه يقضي على مركبين مهمين في عملية تخثر الدم، عامل Va وعامل VIIIa، بالإضافة لبروتينات أخرى مساعدة على ذلك، بروتين S، وبهذه الطريقة تتوقف عملية تخثر الدم.

4. تفعيل نظام إذابة الجلطة الدموية (fibrinolysis).

تقوم خلايا جدار الوعاء الدموي المصاب بالتجلط، بإفراز إنزيمين هما منشط البلاسمينوجين النسيجي (Tissue plasminogen activator) والأوروكيناز (Urokinase) اللذين يعملان على بروتين الخاص بالدم وهو بلاسمينوجين ويحولانه إلى إنزيم فعال وهو البلاسمين (plasmin). إن البلاسمين هو إنزيم يحلل شبكة الفبرين بشكل بطيء، ونتيجة لذلك يتجدد تدفق الدم في الأوعية الدموية.

إن المشاكل الوراثية ألتي يحدثها تخثر الدم التي تم تشخيصها لأول مرة، هي تلك المتعلقة بخلل بإنتاج الانتثرومبين، أو بروتين C أو بروتين S. إن المرضى الذين يعانون من نقص بأحد هذه المركبات، فإنهم يصابون بتجلط الدم في الأوردة وليس الشرايين. كما أن التجلط قد يحدث بجيل الشباب من دون أن يظهر أي سبب، أو الحالات التي هي بحد ذاتها تشجع على تكوين التجلط بالأوردة مثل الحمل، تناول هورمونات نسائية عقب عمليات جراحية، سمنة أو بسبب قلة الحركة المتواصلة.

إن نقص هذه البروتينات الثلاثة أمر نادر نسبيًّا، ويمكن تشخيص النقص فقط لدى 15%-20% من الذين أصيبوا بتجلط الأوردة، التي لم يكن مسببها عاملاً خارجيًّا. توجد حالات وراثية أخرى من تجلط الدم الشائعة أكثر، وغير المرتبطة بنقص البروتينات C و S والانتيترومبين، تم الكشف عنها  في العقد الأخير في المجتمع ذي البشرة البيضاء في العالم. إن المسبب الأول هو عامل تخثر الدم V  ليدن (V Leiden) (سمي على اسم المدينة الجامعية لايدن الهولندية حيث تم اكتشافه)؛ أما المسبب الثاني فهو التغير في الجين المرمز لعامل التخثر 2 (بروثرومبين - prothrombin).

إن كل واحد من هذه النواقص (العيوب) متواجد لدى حوالي 5% من أصحاب البشرة البيضاء، ولدى حوالي  20 % بين الذين يتم استقبالهم في غرف الطوارئ بسبب تجلط الدم في الأوردة. يوجد في عامل تخثر الدم V ليدين، حامض أميني قد تم تغييره وسبب ذلك، أنه إذا كان بروتين C فعالاً فإنه يقضي على عامل التخثر V. إن عملية الردع الطبيعية للتخثر عن طريق بروتين C الفعال، تقل بسبب الخلل في تحليل عامل التخثر V، ونتيجة لذلك يتجلط الدم. يؤدي التغير في جين عامل التخثر الثاني، إلى زيادة إنتاجه ونتيجة لذلك زيادة إنتاج ثرومبين.

لقد وُجِدَ في السنوات الأخيرة، بأن مضاعفات الحمل، مثل موت الجنين في المراحل الأولى، والإجهاضات الكثيرة في المراحل الأولى للحمل (على الأقل ثلاث مرات) مرتبطة بتجلط الدم الوراثي. وبالنسبة لمضاعفات الحمل الأخرى مثل تسمم الحمل، انفصال المشيمة المبكر وتأخر نمو الجنين، لم يتم إثبات صلتها بتجلط الدم الوراثي.   

يتم علاج المرضى الذين أصيبوا بالتجلط الوريدي، وتم اكتشاف نوع أو أكثر من تجلط الدم لديهم، بواسطة الأدوية المضادة للتخثر، لفترة زمنية متعلقة بحالة المريض. أما النساء اللواتي تعرضن لإجهاضات متكررة أو موت الجنين، فمن الممكن أن تمر بحمل طبيعي وناجح، إذا تم علاجهن بمضادات تخثر الدم خلال الحمل. إن المرضى المصابين بفرط تخثر الدم الوراثي، ولم يظهر عندهم تجلط، لا يتم علاجهم بالأدوية بل بالوقاية، كما ننصحهم بتقليل احتمالات الإصابة بالتجلط عن طريق الامتناع عن زيادة الوزن، الامتناع عن تناول الهورمونات النسائية، وبمضادات التخثر بزمن الجراحة وعقب الولادة.