العنف ضد المرأة في الإعلانات

ليست جميع أنواع العنف ضد المرأة ظاهرة! تبدو عارضة هذا الإعلان جميلة، وقد تزيد من مبيعات تلك السلعة، ولكن هل تكون هذه الإعلانات عنفاً من نوع صامت لم نكن ندركه ضد المرأة؟

العنف ضد المرأة في الإعلانات

هل نظلم الإعلام إذا ما عزونا بعض ظواهر العنف في مجتمعاتنا لما يعرضه علينا يومياً؟ من ما نراه في الأفلام والمسلسلات الطويلة إلى الإعلانات القصيرة التي تغزو حياتنا في الشوارع وعلى التلفاز ! قد نشيح النظر عنها دون اهتمام، أو نظن ما نشاهده منها لن يؤثر علينا، ولكن هذا قد لا يكون صحيحاً تماماً، فما نشاهده منها تراه أعيننا ويتغلغل في لاوعينا!

لا نستطيع أن نقول أن ظواهر العنف المنتشرة ضد المرأة سببها الإعلانات، ولكن علينا أن ندرك أن "عرض جسد المرأة في الإعلانات وتعديله ليظهر بصورة معينة، وينقل رسالة معينة قد يكون الخطوة الأولى للكثير من العنف ضد المرأة" تبعاً للباحثة جين كيلبورن (Jean Kilbourne).

هل الإعلانات التي نراها أكثر من مجرد إعلانات؟

قد تلعب الإعلانات دوراً في حياتنا يفوق تصوراتنا:

  • تبعاً لرئيس تحرير إحدى وكالات الإعلان الشهيرة في العالم، فإن 8٪ فقط من أي إعلان نشاهده تستقبله حواسنا، بينما تذهب ال 92٪ المتبقية إلى لا وعينا وأدمغتنا دون أن نشعر!
  • الإعلانات لا تروج لمنتجات وخدمات فقط، بل تروج كذلك لقيم وصور ومفاهيم عن الحب والحياة والنجاح، كما أنها تسهم في توجيهنا داخلياً لما علينا أن نعتبره "طبيعي" و"عادي"، وتحاول أن تقول لنا "نعم، كونوا هذا الشخص" و " لا، لا تكونوا هذا الشخص".

رسائل خفية في الإعلانات تشجع على العنف

فتاة في إعلان تلفزيوني

ربما تقوم الإعلانات بالتشجيع غير المباشر على العنف ضد المرأة وذلك عبر:

  • تحويل المرأة إلى "غرض" أو سلعة للترويج لشيء ما، خاصة الإعلانات التي تركز على جزء بعينه من جسم المرأة لترويج سلعة ما.
  • إعطاء المرأة صورة خاطئة عمن يجب أن تكون وكيف يجب أن تبدو، مع العلم أنه وبشهادة محترفين من قلب عالم الإعلانات: "معظم النساء اللواتي يظهرن في الإعلانات بشكل مثالي، تم تعديلهن ولمرات عديدة على برامج الحاسوب!".
  • ما كان يعتبر "خادشاً" للحياء العام سابقاً، أصبح الان منتشراً وعادياً ونراه في كل مكان، مصوراً بعض ظواهر العنف ضد المرأة على أنها عادية.
  • بينما تقول الطبيعة أن كافة البشر يتشاركون ذات القيم والأخلاق والصفات ذكوراً وإناثاً، فإن عقوداً من مراقبة الإعلانات تظهر لنا أن العديد منها تظهر أن جنساً واحداً فقط هو الذي يحتكر الصفات الإيجابية (مثل صفات القوة والذكاء والسيطرة عند الرجل)، بينما صفات الجنس الاخر هي النقيض السلبي (الغباء، الضعف، الاتكالية عند المرأة).
  • بعض الإعلانات التي يظهر فيها شخص أو أشخاص يعنفون أو يضطهدون شخصاً ما، تروج لانتشار العنف في المجتمع، من بعض إعلانات العطور والملابس وصولاً إلى الملصقات الترويجية للأفلام وغيرها كثير.

أثر الإعلانات على صورة المرأة وكيف قد تشجع العنف ضدها؟

امرأة ومبضع جراح

​هكذا تؤثر هذه الرسائل المبطنة في الإعلانات وتشجع على العنف ضد المرأة:

1- عنف خارجي من الاخرين

عندما يتم تصوير المرأة على أن جسدها غرض لترويج سلعة ما، أو يتم استخدام جزء بعينه من جسدها لترويج سلعة ما (خاصة الإعلانات التي لا علاقة فيها بين المنتج المراد بيعه وجسد المرأة)، فإننا بذلك نجعلها عرضة للعنف من قبل الاخرين، فهذه الإعلانات تجعلها تظهر أقل إنسانية وأكثر ضعفاً. 

كما أن صورة المرأة الضعيفة لا تؤثر فقط في نظرة الرجل تجاه المرأة فحسب، بل في نظرته لكل ما يصنف على أنه أنثوي من أشياء وصفات، ليبتعد عن هذه الصفات وينفر منها لأن عقله ربطها بأمور سلبية، مثل: الشغف، التعاون، التعاطف، الحدس، الحساسية.

2- عنف ذاتي من المرأة بحق ذاتها

نتيجة الترويج للمرأة النحيلة بشكل مبالغ فيه والجميلة حد الكمال وصولاً إلى الهوس بعمليات التجميل والتي قد لا تكون نتائجها محمودة العواقب دوماً:

  1. سخرية الإعلام عموماً من المشاهير الذين زادت أوزانهم.
  2. حث عارضات الأزياء على النحافة المبالغ فيها والمرضية، عن طريق التجويع والريجيمات القاسية.
  3. تعديل صور العارضات عن طريق الحاسوب لتبدو أجسامهن أكثر نحافة بعد، مع العلم أن النحافة الشديدة هذه -التي تطمح بعض الفتيات في الوصول إليها للتشبه بهذه العارضة أو تلك- قد أدت لوفاة بعض العارضات في عالم الأزياء، أو كادت تودي بحياة بعضهن.
  4. الترويج لمنتجات وكبسولات تقلل الوزن، قد تكون مجهولة المصادر والمكونات وخطيرة على الصحة والجسم.
  • الترويج لفكرة المرأة الصامتة والضعيف: قد تبدو المرأة في بعض الإعلانات صامتة بكفين تضعهما على فمها، أو تظهر بهيئة تبدو فيها ضعيفة بشكل ما، إن كان بالنظرة أو الجلسة أو غيرها، على النقيض تماماً مما تعكسه الإعلانات التي يظهر فيها رجال، فقلة هي الإعلانات التي يبدو فيها الرجل منكسراً أو ضعيفاً.
  • وبينما قد لا يكون هذا شكلاً مباشراً من العنف، إلا أن تعنيف المرأة لذاتها يومياً وعدم ثقتها بنفسها هو عنف منها ضدها، وفي هذا الصدد، استدعى التنويه إلى ازدياد عدد العمليات التجميلية بشكل هائل في السنوات الأخيرة:
  1. تشير دراسات حديثة إلى أن 91٪ من العمليات التجميلية تجريها نساء.
  2. بين عامي 1997 - 2007 ازداد عدد العمليات التجميلية بنسبة 457٪ !! لتصل إلى 12 مليون عملية في السنة. كما ازداد في هذه الفترة عدد العمليات التجميلية التي لا تتطلب جراحة مثل البوتوكس والفيلرز بنسبة 754٪.
  3. بين عامي 1997-2007 كذلك ازدادت نسبة العمليات الجراحية التجميلية بنسبة 114٪. مثل عمليات تكبير الصدر وشد جفن العين وغيرها! ويتم إجراء ما يقارب من 2 مليون عملية من هذا النوع سنوياً.

وفي دراسة شهيرة للباحثة ان بيكر، وجدت أنه وبعد وصول التلفاز إلى جمهورية جزر فيجي، بدأت أعداد كبيرة من الفتيات هناك يعانين من صعوبات وأمراض تتعلق بتناول الطعام  مثل مرض فقدان الشهية العصابي (Anorexia) وبوتيرة متسارعة! كل هذا الكلام لا يعني أنه من الخطأ أن تبدو المرأة جذابة وجميلة، ولكن  الخطأ هنا أن تكون الكثير من المصادر حولها تشعرها بأن شكلها هو المهم وفقط.

مشاهير وطرائف

الممثلة الأمريكية كيت ونسلت

هذه بعض المواقف الطريفة التي تعرض لها مشاهير في هذا الشأن:

1- الممثلة وعارضة الأزياء سيندي كروفرد

في تعليق شهير لعارضة الأزياء سيندي كروفورد بعد أن رأت صورة معدلة لها في الإعلام، قالت: "أتمنى أن أبدو مثل سيندي كروفورد في هذه الصورة!".

فإذا كانت هي لا تشبه نفسها في الصور المروجة لها، فلك أن تتخيل الصراع الذي تعيشه أية امرأة لتبدو مثل عارضة تراها في إعلان ما مع العلم أن هذه العارضة لا تشبه نفسها على الطبيعة.

2- الممثلة الأمريكية كيت وينسليت (بطلة فيلم تايتنك)

بعد مقابلة أجرتها مع إحدى المجلات المشهورة، ظهرت على الغلاف بجسم نحيف، وعندما رأت صورتها على غلاف المجلة، أصدرت تصريحاً وضحت فيه أن أحداً لم يأخذ إذنها في التعديل الذي تعرضت له صورة جسمها على غلاف المجلة، وقالت أن أرجلها تم تنحيفها بمقدار الثلث، وأنها لا تبدو هكذا في الواقع والأهم من هذا كله أنها "لا تود أن تبدو هكذا"!

3- شركة ماتيل

أعلنت ماتيل (Mattel)، الشركة الأم للعبة باربي (Barbie) الشهيرة عن إطلاق خط إنتاج جديد من لعبة الفتيات المحبوبة في 2016 ضمن مشروع أسمته "Project Dawn"، حيث سوف يبدأ تصنيع -إلى جانب لعبة الباربي النحيلة والطويلة بمقاييس خيالية- ألعاب بأنواع أجسام أخرى تحاكي الواقع أكثر.

منها ألعاب على صورة فتيات منهم الطويلة ومنهن القصيرة ومنهن النحيلة والممتلئة وغيرها، فهل تساعد هذه النقلة النوعية الطفلات العاشقات لباربي على تقبل أنفسهن أكثر وعدم السعي للتشبه بلعبة بمقاييس ومعايير جسدية لا واقعية؟ سوف ننتظر ونرى.

محتويات هذا المقال مبنية على دراسات وبحوث قامت بها الباحثة جين كيلبورن على مدى أكثر من 40 عاماً.

من قبل رهام دعباس - الأحد ، 27 نوفمبر 2016
آخر تعديل - الثلاثاء ، 31 أكتوبر 2017